الحمد لله رب
العالمين، الذي أعلى منار الإسلام، بتأييد نبينه محمد خير
الأنام، بالإسراء إلى المسجد الأقصى من المسجد الحرام، ليريه
من آياته الكبرى، صلى الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول
الله، وعلى آلك الكرام، وأصحابك الأعلام، ومن تبعهم بإحسان على
مر الشهور والأعوام.
وبعد:
فإننا أيها
الحفل الكريم في رحاب ليلة مباركة، وفي رحاب بيت مبارك، جمعتنا
فيهما ذكرى الإسراء و المعراج.
تلك الذكرى
الفذَّة، التي شاء الله أن تكون في هذا الشهر الفرد، في السنة
الحاديةَ عشرةَ من بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ـ على
ما رجحه علماء الأمة ـ تلك الذكرى التي محَّصت مواقف الرجال في
مكة المكرمة، فثبت من ثبت، وارتد على أعقابه من ارتد.
نعم إن حادث
الإسراء والمعراج كان التصفية الكاملة، والفيصل القاطع بين
طائفتين: طائفةٍ ثابتة على إيمانها لا تزعزعها الأعاصير، تميد
الجبال ولا تميد. وطائفةٍ مشركة قد أحكمت أمرها ورتَّبت شأنها؛
لتقضي على الإسلام وأهله كما سوَّل لها الشيطان وجنوده. ولكن
الله أيَّد رسوله فنزَّه علمه عن الضلال، وعمَلَه عن الغَواية
فقال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ كما
نزَّه نطقه عن الهوى فقال: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ وفؤادَه عن التكذيب
فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ وبصرَه عن
الزيغ فقال: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. كل
ذلك بعد أن أكَّد سبحانه في مطلع هذه الآيات الكريمات مضمونَها
بالقسم فقال: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ
صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ
الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ
الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا
أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
في غمرة المآسي
والأحزان التي وجدها عليه الصلاة والسلام من ثقيف لمَّا ذهب
إليهم داعياً إلى الله، وعاد من الطائف مهمومَ النفس، جريحَ
الفؤاد، يدعو الله قائلاً :
(اللهم إليك
أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم
الراحمين: أنت رب الستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى
بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدوٍّ ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب
عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك
الذي أشرقت له الظلمات، وصَلَحَ عليه أمر الدنيا والآخرة، من
أن تُنزِلَ بي غضبك، أو يَحُلَّ عليّ سخطُك، لك العتبى حتى
ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
فأرسل الله إليه
مَلَك الجبال، يستأذنه في أن يُطبِقَ الجبلين على أهل الطائف
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يَخرج من
أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً).
في غمرة تلك
المآسي والأحزان سرَّى الله عن عبده وحبيبه محمد صلى الله عليه
وسلم نفسَه الجريحة، وفؤادَه المحزون. فكان الإسراء والمعراج،
وشاهد من آيات ربه الكبرى ما شاهد، وعاين من أمارات العناية
الإلهية به وبدعوته، ما زاده يقيناً إلى يقين لإنجاح دعوته،
وتبليغ رسالته.
نعم إن الإسراء
والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلى الله
عليه وسلم وروحه، وهو ما عليه جمهور الفقهاء والمحدثين
والمفسرين والمتكلمين. ولقد تواردت على ذلك ظواهر الأخبار
الصحيحة. ولو كان ذلك مناماً أو بالروح فقط لمَا كذَّب رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم مكذِّبٌ؛ لجواز وقوع مثلِ ذلك
وأَبْعَدَ منه لآحاد الناس، لو كان ذلك مناماً أو بالروح لما
أشفقت عليه السيدة أم هانئ رضي الله عنها لمّا أخبرها الخبر،
وقال: إنه سيحدِّثُ الناس بذلك. ولقد أرادت منه أن يعدل عن ذلك
قائلة: إنهم سيكذبونك، فلم يستجب ـ صلوات الله وسلاماته عليه ـ
لنصيحتها؛ لأن الحق ينبغي أن يذاع، ليصدع بما يؤمر، ويؤدي
رسالته خير أداء مهما كان من صعوبات جسام.
لقد كان الإسراء
والمعراج تأييد الله عبدَه، الذي زاده شرفاً بإضافته إلى نفسه
فقال عز من قائل ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير
ُ﴾ جاء هذا التأييد تكريماً من الله تعالى لرسوله،
وتطميناً لقلبه، وتجديداً لعزيمته وثباته، لقد كان الإسراء
والمعراج بحق نقطةَ تحول الدعوة من قريش في مكةَ المكرمةِ إلى
الناس عامة في كل مكان لتتحقق عالمية الدعوة، ويتحقق قوله جل
شأنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِّلْعَالَمِينَ ﴾.
لم يكن الإسراء
والمعراج مجرد حوادث رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
الآياتِ الكبرى، فتجلى له من خلالها ملكوتُ السموات والأرض
مشاهدةً وعياناً، بل اشتملت هذه الرحلة النبوية على المعاني
العميقة الدقيقة، والإشارات الحكيمة البعيدة. فقد التقت مكةُ
بالقدس، والبيتُ الحرام بالمسجد الأقصى، وصلى الأنبياء خلفه.
فكان كلُّ ذلك إشهاراً لعموم رسالته، وخلودِ إمامته، وإنسانيةِ
دعوته. يَصلُحُ فيها كلُّ زمان ومكان، ويسعد بها كل شعب وأمة.
إن الإسراء به
عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ليلتقي
بإخوانه الأنبياء والرسل، ويصليَ بهم إماماً كما روى ابن مسعود
أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ثم دخلتُ المسجد فعرفتُ النبيين:
ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أذَّن مؤذن فأقيمت الصلاة، فقمنا
صفوفاً ننظر مَن يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدمني، فصليت بهم).
إن الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم العروجَ
به إلى السموات العلا من ذاك المكان الطاهر، لَدليلٌ باهر على
مدى ما لبيت المقدس من مكانة وقداسة عند الله عز وجل، مع بيان
العلاقة الوثيقة بين ما بعث الله تعالى به كلاً من سيدنا عيسى
بنِ مريم، وسيدِنا محمدِ بنِ عبد الله وجميعَ السادة الأنبياء
والرسل قبلهما ـ عليهم الصلاة والسلام أجمعين ـ ورابطةِ الدين
الواحد الذي ابتعثهم الله جل وعلا به قال تعالى: ﴿ إِنَّ
الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ مع ما
فيه من دلالة واضحة على ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون
والمؤمنون على كر الشهور، وتوالي الدهور من الحفاظ على الأرض
المقدسة وحمايتها من أطماع الدخلاء، أعداءِ الله والحق والدين.
فإن تلك الديار لتهيب بالمسلمين أن لا يهنوا ولا يحزنوا
ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام كيد الصهاينة حتى يطهِّروا تلك
البقاع من رجس المعتدين، ويعيدوا الحق إلى نصابه.
قال الله تعالى:
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ
الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الأيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ
آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللّهُ
لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ
آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾.
وإن الواجب
ليدعونا في هذه الليلة المباركة ـ بل وفي كل لحظة ـ أن ننظر
إلى إخواننا المجاهدين في الأرض المحتلة نظرة إكبار وتقدير
متذكرين معهم أن الجهاد في سبيل الله لتحرير الأرض المقدسة
المغتصبة، وتطهيرِ القدس الشريف من براثن العدو الصهيوني لا بد
كائن، جهاداً ينشر العدل ويرد العدوان ويحق الحق ويرفع الظلم،
فأمتنا أمة جبلت على معرفة ما عليها فتؤديه بإحسان، ومعرفة ما
لها فتطلبه بمعروف، ترفض الظلم والضيم وتسعى لعزتها التي كتبها
الله عز وجل بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه هي الصورة الصادقة لأمتنا التي
يريد أعداء الحق والعدل أن يشوهها.
وهذا ما أكده
سيادة الرئيس بشار الأسد عندما تطرَّق لمحاولاتِ تشويه الإسلام
من أعداء الأمة، ودعا أفراد المجتمع كلِّه إلى تحمل مسؤولياتهم
تجاه ما يحصل، عَبْر الحوار والتعقل، والتركيز على القضايا
الأساسية التي تعني الأمة العربية والإسلامية، وعلى رأسها
القضية الفلسطينية، وأَوْضَح أنه لا يوجد قلق على الإسلام في
المنطقة بوجه عام، وفي سورية بوجه خاص؛ لأن الإسلام دينٌ
تنزَّل من عند الله، ولقد نوه سيادته في خطاب القسم الأخير بأن
الأحداث المأساوية التي تضرب منطقتنا وشعوبنا باتت جزءاً من
المشهد اليومي، لاسيما في العراق وفلسطين ولبنان، وبتنا على
قناعة بأن المجتمع الدولي يفتقد الإرادة الجدية في تنفيذ
قراراته، وتحمل مسؤولياته عندما يتعلق الأمر بحقوقنا وقضايانا.
ولكن سيادته أكد
سابقاً ولاحقاً أنه لا بد من التفاؤل بالمستقبل رغم كل
التحديات، بفضل التماسك والترابط، والوحدة الوطنية، ونبذ
الفرقة، والتعاون على البر والتقوى، وقال: إن الدور الذي تلعبه
سورية، والمسؤولياتِ التي تتحملها هي شرف كبير لها، لذلك علينا
أن لا نقلق أو نخاف أو نخضع، بل علينا أن نتمسك بالمبادئ وأن
نتوكل على الله.
نعم أيها
المؤمنون: إن التوكل على الله، والتمسكَ بالقيم الإيجابية،
والعملَ الدؤوب المخلص، والإعدادَ للمستقبل وفق منهج محكم يؤدي
إلى ما تصبو إليه أمتنا من تحقيق أهدافها النبيلة التي ترجوها،
من استرجاع أرضنا المغصوبة في جولاننا الحبيب، والصمودِ في وجه
التحديات.
فإذا كانت هذه
الليلةُ ليلةَ التضرع والابتهال، فلنبتهل إلى الله العلي
القدير أن ينصر أمتنا، وأن يكون عوناً لإخواننا المجاهدين في
الأرض المحتلة، وفي العراق الشقيق، وأن يجمع شمل الجميع ويوحد
صفوفهم، ولن نجد أيها الإخوة المؤمنون في حربنا مع عدونا
الغاشم سلاحاً أمضى ولا أبقى من الإيمان والجهاد، مع اتخاذ
أسباب القوة التي أمرنا الله تعالى بإعدادها، رابطين قوة الأرض
بمدد السماء، متكلين على الله حق التوكل، إذ من لا توكُّل له
لا إيمان له. وما التوكُّل الحق إلا الإيواءُ إلى الله وحده في
جميع الأحوال، والانخلاعُ من الحول والقوة التماساً للتحقق
بقوله سبحانه: ﴿ ۚوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ
أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ
قَدْراً ﴾.
والله أسأل أن
يديم على بلدنا الحبيب سورية نعمة الأمن والأمان ، وأن يوفق
رئيس جمهوريتنا العربية السورية إلى ما فيه خير البلاد
والعباد، وأن يبرم لأمتنا أمر رشد يعيد فيه عزَّها ومنعتَها
وسؤددها. إنه سبحانه نعم السميع ونعم الحسيب.
والحمد لله رب
العالمين