قبل
نحو أكثر من سنة ظهر الشيخ عبد المجيد الزنداني على الفضائيات
، ليسمع الناس شريطا ً ، يدَّعي أنه سُجل في روسيا من بئر
عميقة للنفط ، و أن الأصوات المخيفة التي تنبعث منه – و هي
عويل و صراخ واستنجاد – ما هي إلا أصوات الموتى الذين يعذبون
في قبورهم ، و يُصْلوَنْ حرَّ النار ..!! و ادعى أيضا ً أنَّ
هذا الشريط المرعب ، كان قد ســُجـَّل قبل نحو عشر سنوات ، و
أن أحد الذين التقطوا هذه الأصوات ، قد قُـتل غيلة لئلا ينشر
هذا الاكتشاف بين الناس حرصا ً على الإلحاد و اللادينية ، لأن
هذه الحقائق التي حواها هذا الشريط تنقض بنيان الإلحاد و تهدمه
... إلى أخر ما قال!!
و
انتشر هذا الشريط بين الناس عامَّهم و خاصَّهم انتشار النار في
الهشيم ، لأنَّ كثيرا ً من الخطباء و الدعاة تحدث عنه و نبه
عليه ، ولعل بعضهم صعد المنبر و بيده مسجل ليسمع الناس الأصوات
التي تتقطع لها القلوب رعبا ً و خوفا ً ... و إنما قصد هؤلاء
من ذلك تقرير عذاب القبر و تثبيته في عقول الناس و أفئدتهم ...
فيطمئن التقي الصالح ، و يرعوي الشقي الطالح ...!! و غفل هؤلاء
جميعا ً أنَّ سماع ما يجري في القبور مستور عن الناس و محجوب
عنهم حجبا ً مطلقا ً ، ولا يتأتـَّى لأحد ٍ أن يطـَّلع عليه ،
ولن يغدو مسموعا ً و مدركا ً في يوم من الأيام .
ولعل
قائلا ً يقول مستفهما ً أو مستنكرا ً : فيم َ هذا الإنكار ؟ و
ما سرُّ هذه الحرب الشعواء على هذا الشريط و مُـرَوَّجيه ؟
و ها
أنا ذا أجيب – عسى المستفهم يزول استفهامه ، و المستنكر ينقلب
استنكاره – فأقول :
إن
الغيب المحجوب عن الناس قسمان :
الأول
: الغيب النسبي : و هو الغيب الذي يكون غيبا ً بالنسبة
لزمن دون زمن ، أو مكان دون آخر ، أو أشخاص دون غيرهم ... و
هذا كثير جدا ً ، و أمثلته لا تكاد تحصى . فمن ذلك : النطفة أو
الحوين المنوي للرجل ، و البييضة للمرأة ، لم يكونا تحت
الأنظار من قبل ، لأن العين المجردة لا تدركهما ، لأن للبصر
عتبة ً يقف عندها ، كما أن للعقل حدا ً ينتهي إليه . لكننا في
العصر الحديث و بعد تطور العلوم ، استطعنا بوساطة المجاهر
المكبرة و المقربة أن نراهما رأي العين لكن عن طريق غير مباشر
.
إذن ،
كان الحوين المنوي غيبا ً في الأزمان الغابرة ، لكنه غيب نسبي
يختصه بوقته المنصرم ، ثم غدا اليوم من المدركات المحسَّات .
الثاني : الغيب المطلق : و هو الغيب الذي حجبه الله تعالى
عن الناس في كل زمان و كل مكان حجبا ً مطلقا ً ، و حال بينهم و
بين الاطلاع عليه ، لأنه تعالى أراد ابتلاء الإنسان بالإيمان و
التصديق به .
و هل
الإيمان في أصله إلا تصديق بهذا الغيب ، لأنه ليس من المعقول
في شيء أن يطلب الله عز و جل من الإنسان أن يؤمن بوجود ما يراه
و يدركه ، فلا أين مع العين كما قالوا .
و هذا
الغيب المطلق الذي نتحدث عنه رأسُ الصفات التي يتحلى بها
المتَّقون ، لذلك قُدَّم عليها كلها فقال تعالى : ( ذلك الكتاب
لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون
الصلاة و مما رزقناهم ينفقون ) / البقرة – 2 / .
هذا
الغيب لا يمكن للناس أن يدركوه سواء أكان ذلك بطريقة مباشرة ،
أو غير مباشرة كالاستعانة بالآلات التي اخترعها الإنسان أو
سيخترعها في قادمات ا لأيام .
و من
هذا الغيب : عذاب القبر أو نعيمه . و رؤية الملائكة أو الجنة و
النار ... و السر في هذا الحجب المطلق أن الإنسان لو قدر على
الاطلاع على هذه الغيبيات ، لانتهى الابتلاء بالإيمان بها ، و
لآمن الناس كلهم جميعا ً ، كما يؤمنون عند سكرات الموت وقت
يغدو عاَلمُ الغيب عاَلمَ شهادة ٍ ، فيؤمن المنكر الإيمان
الاضطراري الذي لا ينفعه شروى نقير ، و يرى المؤمن ما آمن به
من الغيب حقا ً فيلتقي علم اليقين مع عين اليقين ثم حق اليقين
..
هذه
حقائق ثابتة وراسخة من أصول العقيدة الإسلامية ، ما كان ينبغي
أن تفوت الشيخ عبد المجيد الزنداني و من تلقف كلامه دون تبصر و
نظر ...
و لا
ريب أن الشيخ الزنداني ليس أول سار ٍ غرَّه ضوء القمر ...