بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين .
أما
بعد فيسعدني في هذا الملتقى أن أقف بين أيديكم مقدماً تعريفاً
بكتاب إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز للعلامة بديع الزمان
سعيد النورسي رحمه الله تعالى.
يقع
الكتاب في 240 صفحة ، ألفه الشيخ باللغة العربية ، وقام
الأستاذ إحسان قاسم الصالحي بتحقيق الكتاب فأحسن إخراجه
وطباعته والتعليق عليه .
قصد
الشيخ النورسي أن يفسر القرآن الكريم مع العناية بإبراز وجوه
البلاغة عامة ومراعاة نظرية النظم خاصة التي تطورت على يد
الجاحظ والرماني والباقلاني وعبد القاهر الجرجاني ، ولهذا جاء
كتابه بطريقة يفهمها الخاصة دون العامة .
ولا
يحصّل القارئ المعلومة من كتابه إلا بجهد لأنه كتبه في ظروف
صعبة ولم يعد صياغته رحمه الله .
واخترت منه سورة الفاتحة ووضحت من خلالها منهج الشيخ رحمه الله
في كتابه الذي تمنينا أن لو أتمه ، وصغت العبارات بأسلوبي
لتناسب الحضور.
بدأ
الشيخ يتحدث عن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ومما ذكره
من اللطائف البلاغية فيها :
1ـ
الحذف : وهو مستحسن في البلاغة حينما يدل عليه الدليل : فقدر
(قل) بسم ... وكأنه قدره بدلالة قوله تعالى : (( إياك نعبد ))
أي قل بسم ... وقل إياك نعبد .
ثم لم
يقف الشيخ عند تقدير المحذوف بل أضاف فائدته وهي إثبات رسالة
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فهناك آمر وهو الله ، ومأمور
بالقول والتبليغ وهو
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 ـ
يرى أن ( بسم الله ) ترمز إلى الألوهية ، أي أن الله هو
المعبود بحق لا غيره ، فلا يستعان إلا به ، وكأن الشيخ استند
إلى إيثار لفظ : ( الله ) دون غيره من الأسماء الحسنى ، ومن
معنى الباء التي هي هنا للاستعانة ، ومن تقدير المحذوف مقدماً
لإفادة الحصر ، كأن التقدير قل أقرأ مستعيناً متبركاً ببسم
الله .. .
3 ـ
ويرى في كلمة ( الرحمن ) إشارات كثيرة :
فهي
تشير إلى نظام العدالة ، وذلك لأن معنى الرحمة الإحسان ، وجاءت
الرحمة هنا مطلقةً مما تدل على شمولها جميع الخلق .
وتشير
إلى إطماع الخلق بدعاء الخالق ، أي أن الله لما وصف نفسه بأنه
رحمن دل على أنه يطمعهم بعدله وإحسانه ، فليقبلوا على دعائه
وليوقنوا أنه مجيب .
وتشير
إلى الرزق .
وتشير
إلى دفع الضر عن العباد .
4 ـ
ويرى في كلمة ( الرحيم ) إشارة إلى الحشر ، ولعله لَحَظ هذا
أنه سبحانه من تمام رحمته سيبعثهم يوم القيامة ليقتص من الظالم
للمظلوم .
وفيها
أيضاً إشارة إلى أنه الغفار .
وكأن
الشيخ ينوع الإشارات في الرحمن والرحيم حسبما يستفاد من لوازم
الإحسان ، والأولى التعميم ليشمل جميع وجوه الإحسان .
ولم
يذكر الشيخ هنا مذاهب المفسرين في الفرق بين الرحمن الرحيم ،
ولا الترتيب بينها وهي أقوى مما ذكره ، وعذره أنه في ساحة
المعركة ولا مراجع بين يديه ، غاية الأمر أنه يستحضر ما في
ذاكرته ، وما يستنبطه من فهمه .
ثم
انتقل الشيخ إلى قوله تعالى : ( الحمد لله ) :
ورأى
أن فيها إشارةً إلى الألوهية ، وكأنه يقصد أل الاستغراقية في
(الحمد) ولام الاختصاص في (لله) ، فالمعنى أن الله هو المعبود
بحق لا غيره ، فلا يستحق الحمد على الحقيقة إلا هو ، ولا يختص
الحمد إلا به .
(
رب العالمين )
رأى
في جملة ( رب العالمين ) إشارتين :
الأولى : العدالة ، أخذ الشيخ هذه الإشارة من كلمة ( العالمين
) إذ لم يقل الله تعالى : رب العرب مثلاً. فهو يعدل بين عباده
لا يفرق بينهم .
والثانية : تشير إلى النبوة ، لأن أهم أنواع التربيةِ التربيةُ
العقلية والروحية والهداية إلى سواء السبيل ، وهذا إنما يكون
بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام .
وفي
كلمة ( العالمين ) وجهان من البلاغة :
ـ
الوجه الأول : تغليب العقلاء على غيرهم ، يقصد الشيخ أن الله
ربٌ لجميع العوالم من العقلاء وغيرهم ، ومع ذلك جاء الجمع بما
يناسب العقلاء (العالمين) ولم يأت (العوالم) وفي هذا تغليب
العقلاء لتشريفهم ، ولأنهم المقصودون بالخطاب .
ـ
الوجه الثاني في العالمين : تصوير فني يُبرز غيرَ العاقل في
صورة العاقل ، وذلك لأن كلمة العالمين جمع عالَم وهو ما يكون
علامة دالة على الخالق ، فلما كان كل شيء ينطق بلسان الحال
بعظمة الخالق صح أن يُصوَّر بصورة العاقل .
(
الرحمن الرحيم ) :
جاءت
جملة (الرحمن الرحيم) بعد جملة (رب العالمين) ، من ارتباط
الفرع بأصله ، فالرحمن الرحيم تدل على دفع الضر عن الإنسان
وهذا من معاني التربية المصرح بها بلفظ (رب العالمين) .
(مالك
يوم الدين ) :
أما
ترتينها فقد جاءت هذه الجملة بعد ذكر الرحمة كأنها نتيجة لها ،
لأن من رحم عباده كرّمهم يوم القيامة بالسعادة الأبدية .
وأما
وجه الإخبار عن نفسه سبحانه وتعالى بأنه (مالك يوم الدين) مع
أنه مالك الدنيا والآخرة فللإشارة إلى أن الأسباب الكونية في
الدنيا قد تحجب الناظر إليها فلا يرى تصرف الله في الكون ،
بينما في الآخرة يتجلى ملك الله بلا واسطة الأسباب .
(
إياك نعبد ) :
البلاغة في الكاف : فيها التفات من الغيبة إلى الخطاب ، ويُعدّ
الالتفات في البلاغة مستحسناً، لأنه ينشط ذهن السامع ، ويضاف
إلى ذلك حسب السياق هنا أن صفات الله تعالى المذكورة في أول
السورة غَرست في نفس القارئ تعظيم الله تعالى وحضوره في القلب
فمهدت له بالخطاب المباشر .
(نعبد
) : النون في أول الفعل المضارع تجعل المتكلم المفرد يندرج مع
الجماعة، وكأن الشيخ يريد أن يقول إن هذا الموضع يناسبه
التواضع لا التكبر ، فصيغة الجمع إذاً تحمل على أن المتكلم
يهضم ذاته ويدرجها ضمن الجموع الكثيرة في مقام العبودية لله
حتى كأنه ضاع بينهم .
جاءت
( إياك نعبد ) بعد (الحمد لله ) وكأن المتكلم يقول : لأنك
تستحق الحمد فنحن نعبدك .
وجاءت
( إياك نعبد ) بعد ( مالك يوم الدين ) كالنتيجة ، أي لأنك تملك
يوم الجزاء وبيدك الحساب فلا بد أن نعبدك .
وتقديم ( إياك ) على (نعبد ) ـ والأصل نعبدك ـ يفيد الحصر ، أي
لا نعبد إلا الله .
(
وإياك نستعين )
فيها
فوائد بلاغية :
تكرار
( إياك ) للدلالة على التلذذ بمخاطبة الله .
ويقصد
الشيخ أن أسلوب الإطناب هنا من البلاغة ، كما أن الإيجاز من
البلاغة، ولكل مقام مقال .
وكذا
تقديم ( إياك ) على ( نستعين ) يفيد الحصر ، أي لا نستعين إلا
بالله .
وفي
هذا الحصر دلالة على ترفع العبد عن التذلل لغير الله من
الوسائط والأسباب ليتوجه العبد إلى الله في اعتقاده ووجدانه .
ولم
يوضح الشيخ أن هذا الحصر لا يمنع الاستعانة بالخلق فيما يملكون
، كما في الحديث : والله في عون العبد ما كان العبد في عون
أخيه .
ترتيب
( إياك نستعين ) بعد ( إياك نعبد ) كترتيب الأجرة على الخدمة ،
فالعبادة حق له والإعانة إحسانه تعالى لعباده ، أو كترتيب
المقدمة على المقصود ، فالإعانة مقدمة العبادة .
(
اهدنا ) طلب الهداية بعد الإخبار عن الاستعانة به بيان من
العبد عن أهم مقاصده من الله تعالى وهو أن يهديه سواء الصراط .
ومعنى
( اهدنا ) ثبتنا على الإسلام وزدنا ووفقنا ، فهو لفظ مشترك
ينوي كل قارئ ما يناسب حاله .
أقول
: الراجح أن لفظ اهدنا ليس من المشترك ، لأن الهداية هي
الدلالة الموصلة إلى المقصود وهو الصراط المستقيم دين الإسلام
، ولما كان هذا المعنى حاصلاً للمسلم ، رأى العلماء أن يفسروا
الهداية بلوازمها وهي التثبيت والزيادة ، فهذه المعاني من
لوازم الهداية، لا لأن الهداية لفظ مشترك .
وهكذا
مضى الشيخ يذكر الإشارات في سورة الفاتحة ثم في ثلاثين آية من
البقرة ، ولما كان يخاطب خاصة تلاميذه جاء كتابه مختصراً وكل
إشارة فيه تحتاج إلى بيان مأخذها من حيث البلاغة ، وتوسع في
مسائل العقيدة والرد على الشبهات ، وظهر فيه علم الشيخ وحفظه
وفهمه إذ كان يكتب من حفظه دون مصادر أو مراجع وعلى جبهة
القتال في الحرب العالمية الأولى.
ولَمّا أنهى الشيخ سورة الفاتحة وثلاثين آية من سورة البقرة
وقف عن المتابعة في هذا التفسير ، وانتقل الشيخ من دراسة
الإعجاز في أسلوب القرآن إلى الإعجاز في مضمون ، ورأى أن حاجة
الناس إلى ذلك أكثر من حاجتهم إلى التفصيل في بلاغة القرآن .
فبدأ
يكتب رسائل النور ويعالج فيها القضايا المستجدة في تركيا
ويواجه الغزو الفكري الخطير على المسلمين ، وسمى نفسه (سعيداً
الجديد ) وانطلق بأسلوب ميسر ينفذ إلى عقول الناس وقلوبهم
ليفيدهم من مواهبه الفذة وفكره النير وحماسه الإيماني لينقذهم
من الغزو الفكري ، وليثبت الناس على أصول الدين وفروع الشريعة
وأخلاق الإسلام ، وقد لقي في سبيل ذلك ما لقي مما لا جزاء له
إلا عند من لا يضيع مثقال ذرة.
وجمعت
رسائل الشيخ في موسوعة بعنوان كليات رسائل النور وسمي كل جزء
منها باسم خاص مثل : الكلمات ، المكتوبات ، اللمعات ، الشعاعات
، ونحو ذلك ، وتدور رسائل الشيخ في هذه الكليات حول العقيدة
الإسلامية والأخلاق ، وبعض مسائل التشريع والفكر .
ومن
هذه المسائل : التوحيد ، الآخرة ، الأسماء الحسنى ، الرد على
الطبيعيين.
ومنها
: نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المعجزات ، زواج النبي
صلى الله عليه وسلم بزينب ، خروج آدم من الجنة ، نزول عيسى في
آخر الزمان ، السنة مرقاة ومعراج .
ومنها
: العدالة في الميراث ، حجاب المرأة ، عدالة الشريعة ، حكمة
الصيام ، دحض شبهات حول القرآن الكريم .
ومنها
: حقيقة الإنسان ، الاعتدال ، التصوف ، التفكر الإيماني ، خطر
العنصرية .
وهذه
رسائل وإن كانت عناوينها معروفة لدى العلماء ، لكنها جاءت من
الشيخ علاجاً للشباب حسب حاجتهم لها وفي ظرفها المناسب كالبلسم
على الجرح .
وأخيراً أنصح بالاستفادة من منهج الشيخ في التواضع والإخلاص
والتقوى والذكر والفكر والثبات على الحق والدعوة إلى الله
تعالى .
والسبيل إلى ذلك بأمور :
الأول
: تدبر القرآن الكريم ودراسة بلاغته التي تكشف وجهاً مهماً من
وجوه إعجازه إضافة إلى إعجازه في مضمونه التشريعي والغيبي
والخلقي والنفسي والعلمي ، وهذه الدراسة في إعجاز القرآن تكشف
مزاياه وتزيد الإيمان به ، وتدعو للعمل به ، وتفجر الطاقات
البشرية ، وتصنع منهم أمة رائدة بالعدل والرحمة .
الثاني : الاستفادة من كتب تفسير القرآن الكريم وهي تحوي شرح
أصول العقيدة والشريعة والأخلاق ، وعلوماً كثيرة تتناسب مع
شمول القرآن وعظمته .
الثالث : قراءة الأحاديث النبوية ودراستها ، وهي وحي من الله
وحكمة ونور .
الرابع : دراسة السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين ،
وتراجم الأعلام الكبار وسير الصالحين
الخامس : التمكن في الفقه وعلوم اللغة والأدب والإلمام بمبادئ
العلوم الكونية والإنسانية والله الموفق والمعين ، والحمد لله
رب العالمين .
الدكتور محمد صادق درويش
دمشق : 3 / 2 / 2008م