مقالات


   رمضان شـــهر العمل
        بقلم:  الدكتور محمد وهبة


يعتقد كثير من الصائمين أن هذا الشهر الكريم، شهر للتفرغ الى العبادة، واسترخاء البدن وترك العمل، فيتكاسلون ويقصرون في أداء واجباتهم اليومية بحجة الصيام..

وهذا بلاشك اعتقاد خاطئ ينافي ما جاء به التشريع السماوي من حث على العمل والإخلاص فيه ودعوة الى النشاط الروحي والجسدي. ‏

صحيح أن رمضان شهر للأرواح، ولكننا أصحاب روحانية إيجابية بناءة، روحانية إلهية تلازم الجندي في حربه، والعامل في مصنعه، والعالم في درسه، والفيلسوف في بحثه، والقاضي في محكمته، والموظف في وظيفته.. تلازم كل إنسان في جده وهزله، وحركته وسكونه وليله ونهاره وصحته ومرضه، لا تمنعه في حال عن حال، بل تنقله من كمال الى كمال.. وبهذا كنا الأمة التي تستحق حمل لواء الحضارة، لأننا قادرون على أن نهب العالم والحياة معنى حقيقياً. ‏

الإسلام ليس دين بطالة وكسل، بل دين جد وعمل والذي يفتح دكاناً أو يعمل أي عمل شريف أفضل في نظر الإسلام من الذي يقعد في المسجد من الصباح الى المساء يصلي ويتعبد، ويقول أطعموني من مال الله.. ‏

الإسلام دين همة ونشاط، دين علم وعقل، لا دين تواكل وخنوع وإحناء للرأس وتماوت وتخاذل. ‏

ألم يكن النبي ے رياضياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى اليوم في أذهان الناس؟! ألم يكن له جسم رياضي فيمشي منتصب القامة بارز الصدر كأنما ينحدر انحداراً؟! ألم يصارع بطل الجزيرة العربية في المصارعة؟ ألم يسابق زوجته عائشة؟! أما كان عمر بن الخطاب «وهو الخليفة» إذا رأى رجلاً يمشي متخاذلاً مثل بعض المتمشيخين يضربه بالدرة على رأسه ويقول له: استقم لاتمت علينا ديننا؟! ‏

ألم يكن الصحابة رهباناً بالليل فرساناً «كأنهم الجن» في النهار؟! ‏

ألم يقتنوا الأموال ويشتغلوا بالتجارات ويقبلوا على الصناعات، ألم يكن كبار العلماء تجاراً وأصحاب أعمال ضخمة؟! ‏

فأبو حنيفة كان بزازاً، وابن المبارك كان تاجراً، وأحمد بن حنبل كان يعيش من بيوت له يؤجرها ويصلحها بيده، إن تخرب شيء منها، وعمر بن عبد العزيز كان يشتغل بيده في تطيين داره. ‏

وكان الليث بن سعد له تجارة وارداته منها في السنة عشرون ألف دينار من كسبه وعمله لا من احتراف الوعظ وإمالة العنق. ‏

رمضان شهر العمل.. لا شهر التقاعس والكسل، والكثير من الفتوحات والأعمال الجسيمة في تاريخنا الإسلامي حدثت في رمضان. ‏

وصوم المسلم لا يعني أن يركن الى التراخي والفتور، بل إن في الصيام صحة ودافعاً لمزيد من الأعمال الجسيمة. ‏

ولنتذكر أن فتح مكة وغزوة بدر والكثير من أيامنا كانت في رمضان والمقاتلون كانوا صائمين. ‏