مقالات


   رمضان شهر الرحمة
       
بقلم:  الأستاذ أحمد محمد أديب الكلاس
 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم ، و هذا بعض ُ السر ّ الاجتماعي العظيم في الصوم ، إذ يبالغ ُ أشد َّ المبالغة و يدقق كل َّ التدقيق ، في منع الغذاء و شبه الغذاء عن البطن و حواشيه مدة ً آخرُها آخر ُ الطاقة .
فهذه طريقة ٌ عملية لتربية الرحمة في النفس ، و لا طريقة َ غيرُها إلا النكبات ُ و الكوارث ، فهما طريقتان كما ترى : مبصرة ٌ و عمياء ، و خاصة ٌ و عامة ، و على نظام و على فَجأة .
و متى تحققت رحمة ُ الجائع الغني للجائع الفقير ، أصبحت للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانـُها النافذ ، و حَكمَ الوازع ُ النفسي ُّ على المادة ، فيسمع الغني ُ في ضميره صوت َ الفقير يقول : ( أعطني ) . ثم لا يسمع منه طلبا ً من الرجاء بل طلبا ً من الأمر لا مفر َّ من تلبيته و الاستجابة ِ لمعانيه ، كما يواسي المبتَلى من كان في مثل بلائه .
لقد استدار الزمن ُ و أقبل َ شهر ُ رمضان يَحمل ُ البشر َ لأهل الأرض ، جاء مبتسما ً ليحقق َ معنى الإنسانية في الوجود كلّه ، و كأنه يقول : أنا شهر الثورة على عام كامل ، أجعل ُ منكم قوة ً لأنفسكم على أنفـُسكم ، فإذا تحقق ذلك أصبحتم قوة َ الحق على الباطل ، و كنت ُ لكم معلما ً كيف تـُستَّخلص ُ الرحمة ُ من قلب القوة ، و العفو ُ من القدرة ، و الأخلاق ُ الحسنة من شَغَب المادة ، و النزاهة ُ من أوحال الخيانة ، و حب ُ الخير للناس من باطن الأثرة ، و تقديم ُ المصلحة العامة على المصلحة الخاصة فأنا أشبَه ُ بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي طبيعته السحب ُ و الغيث ، و من عمله إمداد ُ الحياة بوسائل َ لها ما بعدها ... إلى آخر السنة .
و ليس عجيبا ً أني أفعل ذلك ، فهو واضح و ساطع من هذه الآية الكريمة :

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

فالتقوى : درجة للقرب من الله . و الإتقاء : هو كالترس في ساحات الوغى ، فبالصوم يتقي المرء ُ على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته ُمَعدتـُه ، و يتـَّقي المجتمع على إنسانيته و طبيعته مثل َ ذلك ، فيغدو المجتمع حضارة ً و رقيا ً و يُمسي رحمة ً و تألقا ً ، ثم يصبح من جديد طاهرا ً من كل إثم .
ألا ما أعظمك يا شهر الصوم لو عرفك العالم حق معرفتك لجعل لك عيدا ً لاستقبالك يدوم بدوامك ، و لا ينقطع بذهابك .
كيف لا ؟ و قد كان فيك غزوة ُ بدر الكبرى ، و غزوة ُ الفتح ، و موقعة عين جالوت ، و حرب ُ رمضان الذي حطم أسطورة الخرافة للجيش الإسرائيلي .
فرمضان أوله ُ رحمة و أوسطه مغفرة و آخره عتق من النار و هو يحمل ُ بين جنباته عز َّ الأمة ورفعتها ، و لو عَرفَكَ العالم ُ حق َّ معرفتك لَسَمَّاكَ ( فقه الثلاثين يوما ً ) .