بسم الله
الرّحمن الرّحيم
من قواعد النفس
أن الرحمة تنشأ عن الألم ، و هذا بعض ُ السر ّ الاجتماعي
العظيم في الصوم ، إذ يبالغ ُ أشد َّ المبالغة و يدقق كل َّ
التدقيق ، في منع الغذاء و شبه الغذاء عن البطن و حواشيه مدة ً
آخرُها آخر ُ الطاقة .
فهذه طريقة ٌ عملية لتربية الرحمة في النفس ، و لا طريقة َ
غيرُها إلا النكبات ُ و الكوارث ، فهما طريقتان كما ترى :
مبصرة ٌ و عمياء ، و خاصة ٌ و عامة ، و على نظام و على فَجأة .
و متى تحققت رحمة ُ الجائع الغني للجائع الفقير ، أصبحت للكلمة
الإنسانية الداخلية سلطانـُها النافذ ، و حَكمَ الوازع ُ
النفسي ُّ على المادة ، فيسمع الغني ُ في ضميره صوت َ الفقير
يقول : ( أعطني ) . ثم لا يسمع منه طلبا ً من الرجاء بل طلبا ً
من الأمر لا مفر َّ من تلبيته و الاستجابة ِ لمعانيه ، كما
يواسي المبتَلى من كان في مثل بلائه .
لقد استدار الزمن ُ و أقبل َ شهر ُ رمضان يَحمل ُ البشر َ لأهل
الأرض ، جاء مبتسما ً ليحقق َ معنى الإنسانية في الوجود كلّه ،
و كأنه يقول : أنا شهر الثورة على عام كامل ، أجعل ُ منكم قوة
ً لأنفسكم على أنفـُسكم ، فإذا تحقق ذلك أصبحتم قوة َ الحق على
الباطل ، و كنت ُ لكم معلما ً كيف تـُستَّخلص ُ الرحمة ُ من
قلب القوة ، و العفو ُ من القدرة ، و الأخلاق ُ الحسنة من
شَغَب المادة ، و النزاهة ُ من أوحال الخيانة ، و حب ُ الخير
للناس من باطن الأثرة ، و تقديم ُ المصلحة العامة على المصلحة
الخاصة فأنا أشبَه ُ بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو
الذي طبيعته السحب ُ و الغيث ، و من عمله إمداد ُ الحياة
بوسائل َ لها ما بعدها ... إلى آخر السنة .
و ليس عجيبا ً أني أفعل ذلك ، فهو واضح و ساطع من هذه الآية
الكريمة :
(
كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
فالتقوى : درجة
للقرب من الله . و الإتقاء : هو كالترس في ساحات الوغى ،
فبالصوم يتقي المرء ُ على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته
ُمَعدتـُه ، و يتـَّقي المجتمع على إنسانيته و طبيعته مثل َ
ذلك ، فيغدو المجتمع حضارة ً و رقيا ً و يُمسي رحمة ً و تألقا
ً ، ثم يصبح من جديد طاهرا ً من كل إثم .
ألا ما أعظمك يا شهر الصوم لو عرفك العالم حق معرفتك لجعل لك
عيدا ً لاستقبالك يدوم بدوامك ، و لا ينقطع بذهابك .
كيف لا ؟ و قد كان فيك غزوة ُ بدر الكبرى ، و غزوة ُ الفتح ، و
موقعة عين جالوت ، و حرب ُ رمضان الذي حطم أسطورة الخرافة
للجيش الإسرائيلي .
فرمضان أوله ُ رحمة و أوسطه مغفرة و آخره عتق من النار و هو
يحمل ُ بين جنباته عز َّ الأمة ورفعتها ، و لو عَرفَكَ العالم
ُ حق َّ معرفتك لَسَمَّاكَ ( فقه الثلاثين يوما ً ) .