مقالات


  صور رمضانية ما أجملها لو استمرت بقية العام
       

بينما نحن ماضون تتنازعُنا أصداءُ الرغبات، وتتصيدُنا شباكُ الشهوات، مترنحين بين الطاعة والغفلة، آخذين بالجد ، مأخوذين بالهفوة ، بينما نحن على ذلك إذا بأيام أنيسة تُطالعنا، و أزمنة كريمة تُجاورنا ، ليتكأ عليها من أنهكته مُنازلة الأهواء، وينتهض بها من أقعدته مُصارعة اللذات، و يحلق باغتنامها كل مترفع عن نزوات الضُلال الجُهال.

تأتي هذه القلائل من الأيام لكل أولائك، لتؤمَّن الخائف، وتـُطمَّـئن الواجف، و تبشر العابد الطائع برفعة في الدرجة، و سعة في المنزلة ، وزيادة في المرحمة ، و عدة بالمغفرة ، و عتق من النيران ، و فوز بأعالي الجنان ، ولا غلو في ذلك إذ إنها أيام الصيام وليالي الوصال ، فيها الشياطين صُفدت ، و مصاريع النيران أوصدت ، وأبواب الجنان فـُتـَّحت .

ومن منا لا يذكر ذلك اليوم الذي رُأي فيه يهود المدينة عاكفين على الصيام بسبب أنه اليوم الذي نجا الله فيه كليمه موسى عليه السلام . فكان صنيعهم مستحسنا ً و الشروع بتعظيم الكليم مستلزما ً، فشُرع لنا صوم يوم العاشر من شوال ، ولكن كيف و رمضان شهر نزل فيه عين الكلام ، و حفظ فيه عن الضياع و النسيان و لئن كان للكليم ما له من القدر و التعظيم ، بتشريفه بتكليم الحق له ، فكيف و نحن في شهر تأتى لنا فيه كلام ربنا ............ وصلة العبد بالرب لذا غدا صيام رمضان فرض ناسخ لكل فريضة صوم قبله إذ إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

إن الله قريب من عباده رقيب عليهم ناظر إليهم كل حين فهو أقرب إلينا من حبل الوريد بيد أن غشاوة النسيان وتكرر العصيان وتكدر الأشجان كلها ران؟ تطبع بها القلوب فتجدها و قد حجز بينها و بين تذوق معاني قرب الله منها و اطلاعه عليها و نظره إليها و إنما جاء رمضان ليسكب على تيك القلوب شفاء الأدواء و مسحة الضياء و نضرة الصفاء فتلفيها و قد زالت منها الموانع و احتبست عنها الحواجز فإذا بها تستشعر قرب المجيب منها و هذا معنى قوله تعالى آخر آيات الصيام (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) إذ ليس قرب الله من عباده يتواجد في رمضان فحسب ولكن القرب متحصل على الدوام غير أنه لا يدرك كمال الإدراك إلا عقيب الصيام لله والقيام بين يده في هذا الشهر المبارك .

إن هذه الأيام المعدودة على نفاسة فيها و عظم المثوبة لديها فيها ليلة هي خير من ألف شهر تتنزل الملائكة والروح فيها من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر .

إن أيام هذه شأنها ما أجدر من بلغها أن يكون أشد حرصا فيها على الأنفاس أن تبذل من حرصه على المال و الجاه أن يهدر فلا يملئن منه شهيقا إلا محملاً بذكر لله و لا يوردن عنه زفيراً وهو في حال غفلة عن الله حيث ليس لأحدنا علم في أي شهيق له أو زفير منه تخترمه سهام الأجل و ليس لشيء من ذلك منجاة إلا باليقظة والحذر والجد والعمل .

و إذا كان رب رمضان ورب بقية السنة واحد إله سميع بصير قريب رقيب عليم فما أجدر بالمؤمن أن لا يكون منه ودَّاع للعبودية بعيد شهوده عظمة الربوبية فيغدو كتلك العجوز الخرقاء المحدودبة التي جلست منحنية على خيوط الصوف تغزلها على عماية العتمة وكلما فرغت من فتل غزلها عمدت إليه لتحل ما انعقد و أتَلَفَ من نسيجه و تنقضه مجددا هذه الصورة الهزيلة البغيضة التي استولت عليها الوحشة صورة صادقة لذلك الرجل الذي يعمد إلى التوبة بين يدي ربه ويتعهد له بالاستقامة ويمضي في طريقها شهراً أو بعض شهر ثم لا يلبث أن ينقض ذلك العهد عند أول شهوة تتعثر بها تطلعات نفسه قال عز من قائل :

( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ  وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ )

ما أحوج الإسلام إلى عباد لله كل حين و هم على ذلك رمضانيون في كل حين ، إلى أولئك الذين جعلوا من رمضان نقطة انطلاق لا توقف بعدها ، و قدح زناد لا خمود لضوئها ، و بزوغ شمس لا أفول لدفئها ، و توبة صدق لا انتقاض لعهدها .

منقول من موقع فضيلة الشيخ
حسان الهندي