مقالات


الاعتدال وتوازن الفكر

بقلم الدكتور : عبد الله التطاوي

 

لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم عدوانيا ً على مثل ما جُبل عليه قومه وتاريخه ممن مارسوا ضده وضد دعوته كل صور العنف البغيضة , سواء منهم مشركوا مكة الذين أسرفوا على أنفسهم في تعذيب المسلمين وإيذائه صلى الله عليه و سلم بكل الصور المهينة إنسانيا ً وخُـلقـيا ً حتى أثناء أدائه الصلاة أو قراءته القرآن الكريم , أو في تعذيب أصحابه الذين هداهم الله لدينه فأفرطوا معهم في (التصفية الجسدية) حتى يحيدوا عن إيمانهم فما أفلحوا يوما ً في صرفهم عن دينهم .

ومع هذا كله لم ينشأ الرسول صلى الله عليه وسلم عدوانيا ً , وقد ولد عام الفيل , وسمع قصة أبرهة الأشرم الذي جاء بجيشه الجرار قصدا ً إلى هدم الكعبة و إقامة كنيسة القليس بديلا ً عنها , وعرف عن جده عبد المطلب قولته الشهيرة أن للبيت ربا ً يحميه , وما كان من نهاية الطاغية من الانكسار والذل أمام الطير الأبابيل الذي جعلهم كالعصف المأكول على حد تصوير الآية القرآنية الكريمة .

كان يمكن أن يكون الرسول عدواني النشأة بحكم ما سمعه ورآه و عاناه من سفه القوم وطيشهم وحماقتهم وبقدر ما ارتضوه من الاندفاع الأرعن خلال القوة الطائشة دون مبالاة بما يترتب عليها من عدوان وقهر ربما صرح بجوانب منه بعض شعراء الجاهلية في فلسفة حياتهم حول الظلم والجهل على غرار ما ورد من :

منهج عمرو بن كلثوم

ألا لا يـجـهـلــن أحـد علـيـنــا .... فــنـجـهـل فـوق جـهـل الـجـاهـلـيـنـا

أو ردود عنترة :

فـإذا ظـلـمـت فإن ظـلـمـي باسل .... مــر مـذاقـه كـطـعـم الـعـلـــــقـم

أو حتى فلسفة زهير :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه .... يهدم, ومن لا يظلم الناس يظلم

أو رؤية طرفة :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .... على النفس من وقع الحسام المهند

أو ما كان من تجاوز حاتم الطائي لهذا كله بمنطقه الحضاري الرفيع الذي تجاوز به منطق عصره

ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي .... شهودا ً, وقد أودى بأخوته الدهر

حيث بات المنطق العام للجاهلية قائما ً على استساغة ممارسات القوة الظالمة , وشريعة الغزو الهمجي الذي طالما تغنى به الشعراء , ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتخذ منه منهجا ً بقدر ما عاشه من حالة سلام النفس والتصالح مع الذات إلى حد إحراج خصومه الذين طالما عقد معهم صلحا ً على غرار ما حدث في صحيفة قريش وسلاطة لسان سهيل بن عمرو : بل اكتب باسمك اللهم (بل اكتب اسمك واسم أبيك ) .

وكذا ما كان من حكمته و اعتداله في بنود صلح الحديبية أمام غضبة عمر رضي الله عنه وصحبته لماذا نرضى الدنية في ديننا ؟! وهو ما امتد عبر حلمه وهدوئه وتوازنه حتى في المواقف اليومية التي انتصف فيها الشاعر مثل كعب بن مالك وهو ينشد الشعر وينهره عمر ليقول له المصطفى صلى الله عليه وسلم : خل عنه يا عمر فوالله إن وقع قوله لأشد عليهم من وقع النبل , وهو ما امتد إلى تصريحه لثلاثة شعراء المدينة أن يردوا الهجاء عنه فأجابهم : وماذا يمنع الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسلحتهم من أن ينصروه بألسنتهم ؟ ودعا لبعضهم كما دعا لحسان , ليعقب الرسول على رؤية الشاعر قائلا ً :

أهجهم يا أبا حسام وروح القدس معك .... وقاك الله شر النار يا أبا حسام

لقد مارس القوم الظلم معه صلى الله عليه و سلم بكل أنواعه بدءا ً من محاولة صرفه عن الدعوة تحت إغراء المال و الملك , ومرورا ً بصور المزايدة التي لم تفلح معه منذ بداية الطريق حيث صرح لعمه بأنه ماض في تلبية دعوة ربه حتى ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره حتى يظهر الأمر أو يهلك دونه !

التصالح مع النفس والتعايش مع الآخر أيا كان مستوى قبحه وعنفه ورداءة مسلكه على طريقة عقبة بن أبي معيط و أبي سفيان بن الحارث و أمثالهم كثير , وقبول الآخر إلى حد السؤال عنه أو إقامة الصلاة الجنازة عليه على ما صنعه مع جار له يهودي ومع مرور جنازة يهودي ! كان يدفع بالتي هي أحسن ويجازي السيئة الحسنة لتمحوها كما كان يقود الرفاق بحكمة واعتدال ينأى عن الدموية والعنف بدليل ما حذرهم من تمنى لقاء العدو , أو ممارسات أي من صور التجاوز معه من حرق أو قتل أو تدمير أو تخريب !! حتى مع أعدائه وخصومه كان الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم !!