بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله و الصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن
والاه ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم
شعوبا ً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )
أصحاب
السماحة و الفضيلة الأخوات و الأخوة :
من
سوريا الأسد حاضنة الإسلام والمسيحية في الشرق ، من البلاد
الآمنة الطاهرة التي أعطت المثل الأعلى في الإخاء الإنساني و
التسامح الديني ، من سورية التي عانقت فيها المآذن الكنائس ،
من سوريا التي مثّل أبناؤها ثقافة ً وسلوكا ً قول الرئيس
الخالد في القلوب حافظ الأسد رحمه الله : ( الإسلام إصلاح ،
الإسلام محبة ، الإسلام
إخاء المسلم الحقيقي من أحب الآخرين و المسلم الحقيقي هو من
أحب المسيحي الحقيقي المسيحية خير ومحبة و إخاء وتسامح
المسيحية و الإسلام من أرضنا انبثقت و هذا ليس عبئا ً علينا و
إنما هو موضع فخر و اعتزاز لكل جماهير شعبنا ) من هنا أبدأ
أيها الأخوة الكرام :
إنه
لمن دواعي سروري أن أرعى هذا الملتقى الفكري المبارك الذي
ينظمه معهد الفتح الإسلامي بالتعاون مع جامعة هارتفورد سيمنري
الأمريكية وبمشاركة نخبة من السادة العلماء ورجال الدين و
أساتذة الحضارة و الثقافة و الفكر و الحوار هذا الملتقى الذي
يعقد في دمشق ، دمشق التاريخ و الحضارة ، دمشق التي تنعم مع
نظيراتها من المحافظات السورية بوحدة وطنية راسخة و التي يتجسد
فيها الإخاء الديني بأبهى أشكاله من محبة وتسامح وتعاون وتحاور
في ظل الدور الرائد للسيد الرئيس بشار الأسد الذي يعزز الوحدة
الوطنية و دور الإخاء الديني و أواصر التعاون و المحبة بين
أبناء الوطن الواحد و الانفتاح على الأخر بكافة الميادين ،
دمشق التي تحتفل هذا العام بكونها عاصمة للثقافة العربية ،
أيتها الأخوات أيها الأخوة إن الحوار قيمة من قيم الحضارة
الإسلامية المسندة أساسا ً و المستندة إلى مبادئ الدين
الإسلامي الحنيف وتعاليمه السمحاء و هو موقف فكري وتعبير عن
أبرز سمات الشخصية الإسلامية السويّة و هو ينشد الحق و الخير و
العدل و التسامح وكافة أشكال التفاهم البشري و الحيلولة دون
الفساد في الأرض و الحوار في تراثنا يكتسب مكانة تدل على
مجموعة من القيم و المبادئ التي هي جزء أساس من الحضارة و
الثقافة الإسلامية فالإسلام دين حوار و اعتراف بالأخر وهو
شريعة تطوير القواسم المشتركة بين الإنسان و أخيه الإنسان و
ايجاد السبل الكفيلة بتحقيق ذلك بما يساعد على العيش بسلام و
أمن واطمئنان ، ولقد كان الحوار وسيلة الأنبياء في دعواتهم إلى
أقوامهم مع أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة المؤيدة بالوحي و
المشددة به فالنبوة تاريخيا ً لم تعمد إلى المواجهة وكان
شعارها ( لا إكراه في الدين ) ( فإنما عليك البلاغ المبين ) (
وما أنت عليهم بوكيل ) و الله سبحانه وتعالى و هو الحق العليم
حاور دعاة الخير و دعاة الشر على حد سواء واستمع إليهم كما
تفضل الشيخ أحمد حاور الملائكة حول خلق آدم عليه السلام و حاور
سبحانه وتعالى آدم و زوجته و حاور الأنبياء و الرسل و استمع
إلى إبليس و هو يشق عصا الطاعة عليه و أعطاه الفرصة لإعلان
الموقف و إذا أمعنا النظر في الحضارة الإسلامية فأننا نجدها قد
قامت على أساس التفاعل الحضاري حيث أخذت عن الحضارات السابقة و
اقتبست من ثقافات الأمم و الشعوب التي احتكت بها و صهرت كل ذلك
في بوتقة الإسلام فكانت حضارة إنسانية لها أثر كبير في نقل روح
المدنية إلى جميع الشعوب التي تفاعلت معها و هذا لم يتأت إلا
بالانفتاح على الأخر و التعارف و الحوار و هذا ما عمدت إليه
الشريعة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ً و رغم أن
الحوار كمصطلح وممارسة مفهوم راسخ في العقيدة إلا أنه مفهوم
جديد في الفكر الغربي السياسي و الثقافي ولعل ما يؤكد ذلك هو
خلو جميع المواثيق و العهود الدولية التي صدرت بعد إنشاء الأمم
المتحدة من الإشارة إلى الحوار حتى كلفظ وهو ما يعني أنه ليس
مصطلح قانونيا ً ولكنه مصطلح أو مفهوم سياسي ثقافي حضاري جديد
التداول نسبيا ً في قاموس السياسة الدولية فلم يرد للحوار ذكر
كمفهوم قانوني في ميثاق ا لأمم المتحدة ولا في الإعلام العالمي
للحقوق الإنسان ولا في العهد الدولي الخاص للحقوق الاقتصادية و
الاجتماعية و لا في العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية و
السياسية ولا في إعلان مبادئ التعاون الثقافي و الدولي وتزامن
ظهور هذا المصطلح في الفكر و الثقافة الغربية مع تنامي حدة
الخلاف خلال فترة الحرب الباردة وخلال العقدين من الألفية
المنصرمة تطور مفهوم الحوار من الحوار بين الأديان إلى الحوار
بين الحضارات و الثقافات وتم التركيز عليه على مستوى عالمي حيث
صدرت عن الأمم المتحدة قرارات و توصيات بهذا الشأن وقابل ذلك
من الجانب الإسلامي عدة بيانات و إعلانات حول الحوار الحضاري و
الثقافي على المستويين الرسمي و الشعبي
فعلى
المستوى الحكومي الرسمي يمكن أن يصنف ( إعلان طهران حول الحوار
بين الحضارات) الذي أقر اثر اجتماع لممثلي رؤساء و حكومات
الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي في طهران في شهر أيار
1999م بأنه أحدث وثيقة إسلامية رسمية حول الموضوع أقرت على
أعلى مستوى رسمي إسلامي متمثلة في مؤتمر القمة الإسلامي الثامن
الذي أقر مبادئ لها من العمق و الشمولية ما يجعل الحوار بحق
عملا ً إنسانيا ً مثمرا ً إن بني على هذه المبادئ و تم
احترامها من قبل أطراف الحوار ، أما على المستوى الإسلامي
الشعبي فقد صدرت عدة توصيات وبيانات منها بيان برلين حول
الحوار و التعايش بين الحضارات في تموز2000م و بيان الرباط حول
الحوار بين الحضارات في تموز 2001م وغير ذلك من البيانات
والتوصيات التي تؤكد أهمية التعارف و التحاور مع الأخر ويُستشف
من هذه المواقف الرسمية و الشعبية حماس إسلامي منقطع النظير
للحوار كمبدأ إسلامي أساسه وجدان الحق و البحث عنه و السعي إلى
الحقيقة و التماس هذه الحقيقة و القصد إلى ما فيه الصالح العام
و إلى الحوار الحضاري بصفة خاصة في هذه الظروف التي يمر بها
العالم الإسلامي باضطرابات سياسية و اقتصادية و اجتماعية في
مقدمتها الهيمنة الأمريكية على مقّدرات العالم و مشروعها
الاستعماري لإنشاء ( شرق أوسط جديد ) وتمزيقها أواصر الوطن
العربي و دعمها غير المحدود للاحتلال الصهيوني للأراضي العربية
في فلسطين و الجولان وجنوب لبنان و للممارسات اللا إنسانية على
شعبنا العربي الذي يرزخ تحت نير الاحتلال و لمقدساتنا
الإسلامية و المسيحية التي يعيش بها العدو الصهيوني فسادا ً
أيها
الأخوة : إذا أمعنا النظر في المبادئ التي وردت في إعلان طهران
و التي أقرت في مؤتمر القمة الإسلامية الثامن وبما ورد في
البيانات حول الحوار هي :
1-
الإحترام المتبادل
2-
الإنصاف و العدل
3-
نبذ التعصب و الكراهية
فالأول يقتضي وجود قواسم مشتركة تكون إطارا ً عاما ً و أرضية
صلبة للحوار تتمثل في القيم الدينية و المبادئ الإنسانية و
القواعد القانونية التي يجب أن يكون احترامها و التحرك في
نطاقها أمرا ً أساسيا ً حتى لا يتحول الحوار إلى ساحة لجدل
عقيم أو تطاول على أقدار الناس أو مسا ً بمكانة الشرائع و
المعتقدات
و
الثاني : يقتضي وجود العدل و الإنصاف باعتباره الشرعية
الحضارية التي ينبغي أن تكون منطلقا ً للحوار أيا ً كان مستواه
و مهما كانت أهدافه و العدل يقتضي المساواة بين الناس
وبالإقرار بالحقيقة و هو إضافة إلى ذلك روح الشريعة الإسلامية
و جوهر القوانين الوضعية
و
الثالث : يحتم البعد عن التعصب للمذهب الديني أو السياسي تعصبا
ً يسد العيون عن حقيقة الأخر و طبيعته و كذا التخلص من
الكراهية المناقضة أصلا ً للحوار و التي غالبا ً ما تكون سببا
ً في صراعات دموية
أيتها
الأخوات أيها الأخوة :
إن ما
تقدم يمثل مبادئ إقامة أي حوار فاعل هادف و إن للحوار أهداف
كثيرة و حسبنا هنا أن نقف عند الآية الكريمة : ( يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا ً وقبائل لتعارفوا )
ونقف في هذه الآية على مصطلح التعارف وهي غاية الحوار بين
الأمم و الشعوب بما يحمله من معان التعاون و التعايش وكل ضروب
العمل الإنساني المشترك لما فيه الخير و المنفعة لبني البشر
ذلك بصفة عامة إذ لا يمكننا أن نحصر أهداف الحوار في عدد محدد
من القضايا فأهدافه من الكثرة بحيث يتعذر الحصر و قد كتب حولها
الكثير غير أننا نحدد أيها السادة فيما يتعلق بإعلان مبادئ
التعاون الثقافي الدولي الصادر عن المؤتمر العام لمنظمة
اليونسكو عام 1996م :
نشر
المعارف و حفز المواهب و إثراء الثقافات
تنمية
العلاقات السلمية و الصداقة بين الشعوب و الوصول إلى جعل كل
منها أفضل فهما ً لطرائق حياة الشعوب الأخرى
تمكين
كل إنسان من اكتساب المعرفة و المشاركة في التقدم العلمي الذي
يحرز بجميع أنحاء العالم و الانتفاع بثماره
إبراز
الأفكار و القيم التي من شأنها توفير مناخ الصداقة و السلام
واستبعاد جميع مظاهر العداء في المواقف و في التعبير عن الآراء
تحسين
ظروف الحياة الروحية و الوجود المادي للإنسان في جميع أرجاء
العالم
أيها
السادة إن القلق يسود العالم و الخوف من المستقبل يزداد
استفحالا ً نتيجة لما يجري على الساحة الدولية و هيمنة
الولايات المتحدة الأمريكية على مقّدرات كل البشر و تعاملها مع
المجتمع الإنساني وفقا ً لمصالحها و رؤيتها وبما يتفق مع
سياستها و أهدافها وقد بالغت أمريكا في العزف على وتيرة مصطلح
الإرهاب لتنال من العرب و المسلمين كافة كأمة وهوية ومعتقد حتى
أصبح اليوم الإرهاب مادة صرف للتندر خاصة بعدما حددت أمريكا
هذه العلاقة بغيرها حيال ما تسميه أمريكا إرهاب وفق المقولة :
( من ليس معي فهو ضدي ) و تعاملها مع المجتمع الإنساني وفقا ً
لمصالحها و رؤيتها وبما يتفق مع سياستها و أهدافها و تبعت بعد
ذلك أحداث دموية تمثلت باحتلال أفغانستان و العراق و تنصل
الكيان الصهيوني من قرارات مجلس الأمن الدولي و إمعانه في
تكرير الاحتلال و سفك الدماء و انتهاك حرمة المقدسات في القدس
الشريف وهي أعمال لم تحظ بغطاء الشرعية الدولية و لم تتم في
إطار القوانين و الأعراف المتفق عليها دوليا ً و هذا ما حدى
بدعاة السلام و العدل في العالم و استشعارا ً بخطورة الوضع
العالمي بأن يجدوا أنه لا حل لكل بؤر التوتر في العالم بغير
الحوار و التفاهم لا لينسجم مع ما يريده هذا الطرف أو ذاك و
إنما لينسجم بالدرجة الأولى مع الروح الجديدة التي تسود العالم
اليوم و مع مبادئ الشرعية الدولية القائمة على قرارات الأمم
المتحدة و أسس القانون الدولي باحترام كامل لخصوصيات الدينية و
الثوابت الثقافية و مرتكزات الهوية القومية .
وفي
الختام لا يسعني إلا أن أتمنى لهذا الملتقى في دمشق بشار الأسد
القائد الملهم راعي الوحدة الوطنية أتمنى لهذا الملتقى تحقيق
ما يصبو إليه من نجاح و أن تعزز المحاضرات التي ستلقى و ما
يتلوها من مداخلات و استيضاحات لإيجاد السبل الكفيلة للتآلف
بين أبناء الأسرة الإنسانية و ليعم السلام و الأمن ربوع العالم
و
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته